ما إن يرحل الكبار حتى لا يتركوا وراءهم حزنًا فقط، بل يخلّفون فراغًا يترك أثره في كل شيء. وحين غادرت حياة الفهد، بدا لنا كأن الفن نفسه فقد نبضه. «أم سوزان»، رحمها الله، كانت من الوجوه القريبة التي نشعر أننا نعرفها، ومن الأصوات التي تمنح الطمأنينة، ومن القلوب التي تحتضن من حولها كلما اشتدت الحياة وتكاثرت عليها الضغوط.
كنا نراها أختًا حانية بنصحٍ هادئ، تقول ما نحتاجه بلا مبالغة، وتميل إلينا بجبرٍ للوجع دون أن تؤذينا. وكانت أيضًا الصديقة التي تمضي مع الحياة وضحكتها حتى حين تكون قاسية، وتؤمن بأن الفن هو قدرها، ومن خلاله تراكم هذا التأثر الكبير الذي يعيشه محبوها بعد رحيلها. ولم تكن تكتفي بدور الفنانة، بل كانت أُمًا لنا على طريق الأمهات: خوف وحنان ونظرة تكشف كل معنى دون كلام، وكنا نندفع إليها في أدوارها، نضحك بلا توقف ونبكي بلا حرج.
كانت تمنح أعمالها حضورا صادقًا بكل تفاصيلها، فتترك فينا أثرًا يصعب فهمه ولا يُمحى. كم ليلة قضيناها وهي معنا ونحن نبكي، وكم مشهد ظل ثابتًا في أرواحنا، وكم عبارة خرجت منها لتصبح جزءًا من حياتنا دون أن ننتبه. برحيلها، نغيب معه بيتٌ وصوتُ أمٍّ وظلُّ إنسانة كانت تتحرك في تفاصيل يومنا.
وبقدر ما تركت «أم سوزان» من أعمال، لا يقاس ذلك إلا بما صنعت من قلوب وما خلّفه صِدق دموعها. واليوم، حين يُذكر اسم حياة الفهد، لا يُستحضر مجرد شخص، بل تُستعاد مرحلة كاملة من تاريخ الفن الكويتي.
كان اسمها علامة على العفوية الحقيقية بعيدًا عن التصنّع، في حياتها الخاصة كما في فَنّها، وكانت مرآة تعكس المجتمع كما هو بكل تناقضاته. صارت حاضرة في تفاصيل الناس البسطاء، حتى تحوّل اسمها إلى حكاية فن بدأت وتطورت على كتفي جيل نسائي كانت في مقدمته.
لقد كانت من الروّاد الذين ساهموا في تشكيل هوية الفن الكويتي نفسه؛ في وقت كانت فيه البداية شاقة والقدرات محدودة، وقفت بثبات وأسهمت في ترسيخ الدراما الكويتية كأحد أهم دعائم الفن في الخليج. هي ممن رسموا ملامحه، ووضعوا أسسه، وتركوا لمن جاء بعدها طريقًا واضحًا يمكن الاحتذاء به.
اليوم نقف أمام الغياب عاجزين عن تصديقه، كأننا فقدنا أحد أهلنا لا نجمةً فقط على الشاشة. رحلت «أم سوزان»، فصار الفن بلا حياة، لكن أعمالها ما زالت تنبض، وكأنها تهمس لنا: ما زلت أعيش فيكم.
ختامًا: رحم الله «أم سوزان»، وألهم قلوبنا جميعًا الصبر… فبعض الغياب لا يحتمل.
منصة كوليس منصّة فنية إجتماعية – أخبار الفن والنجوم

